محمد أبو زهرة
1611
زهرة التفاسير
زجر اجتماعي ليرتدع غيرهما ، وهذا العلاج هو العقوبة الشديدة المؤذية في البدن وفي النفس ، وكانت هذه علاجا نفسيا ؛ لأن النفس المنحرفة لا تقوّم إلا بشدة كالعود المعوج لا يقوّم إلا بعمل شديد ليس بسهل ، ولكن يلاحظ ألا ينكسر العود ، وألا تنكسر النفس وتهون ، ولذا كان العلاج بالإمساك والحفظ والرعاية . ولقد ذكرت العقوبة هنا مجملة غير واضحة المقدار ، بل كانت مجرد الإيذاء ، وذكرت بعد ذلك مفصلة بينة المقدار في قوله تعالى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 3 ) [ النور ] . ففي هذا النص عقوبتان مؤدبتان : إحداهما الجلد ، والثانية منع الزواج من الزاني والزانية ، وذلك ليحملهما على التوبة . وقد يقول قائل : إن الله تعالى ذكر علاجا تهذيبيا للمرأة ، وهو الإمساك والرعاية في البيت ، ولم يذكر علاجا تهذيبيا للرجل . نقول إنه ذكر له علاج تهذيبى ، وهو منع الزواج منه كالمرأة ، وذكر علاج له في السنة وهو التغريب سنة « 1 » ؛ لأن التغريب سنة يبعده عن الجو الذي عاش فيه آثما وأعلن فيه إثمه ، وإنه في ذلك سيكون تحت رقابة الحاكم ورعايته ، فهذا التغريب يقابل الإمساك في البيوت . ولم يعاقب الرجل بالحبس ؛ لأن الرجل مطلوب منه الكدح والعمل لنفقته ونفقة من يعوله ، فكان التهذيب مدة معلومة أنسب له ، والإمساك في البيوت أليق بالمرأة . وإذا تكررت الجريمة تكرر العقاب ، إلى أن تكون التوبة والإقلاع عن ذلك المنكر ، ولذا قال تعالى :
--> ( 1 ) عن زيد بن خالد رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنّه أمر فيمن زنى ولم يحصن بجلد مائة وتغريب عام . [ رواه البخاري : الشهادات - شهادة القاذف والسارق والزاني ( 2649 ) ] .